ابن الجوزي
324
صيد الخاطر
ومن الناس من يبخل . ثم يتفاوتون في البخل حتى ينتهي بالبخلاء الأمر إلى عشق عين المال ، فربما مات أحدهم هزالا ولا ينفقه ، فيأخذه الغير ويندم المخلف . ولقد بلغني في هذا ما ليس فوقه مزيد ذكرته لتعتبر به . فحدثني شيخنا أبو الفضل ابن ناصر عن شيخه عبد المحسن الصوري ، قال : كان بصور تاجر في غرفة له يأخذ كل ليلة من البقال رغيفين وجوزة فيدخل إلى غرفته وقت المغرب فيضرم النار في الجوزة فتضيء بمقدار ما ينزع ثوبه ، وفي زمان احتراق القشر قد اشتوت فيمسح بها الرغيفين ويأكلهما ، فبقي على هذا مدة فمات ، فأخذ منه ملك صور ثلاثين ألفا . ورأيت أن رجلا من كبار العلماء قد مرض فاستلقى عند بعض أصدقائه ليس له من يخدمه ولا يرافقه وهو مضرّ ، فلما مات وجدوا بين كتبه خمسمائة دينار . وحدثني أبو الحسن الراندسي قال : مرض رجل عندنا فبعث إلي فحضرت فقال ، قد ختم القاضي على مالي فقلت ، ان شئت قمت وفتحت الختم وأعطيتك الثلث تفرقه وتعمل به ما تشاء . فقال : لا واللّه ما أريد أن أفرقه ، بل أريد مالي يكون عندي . فقلت : ما يعطونك . بلى أنا آخذ لك الثلث . فقلت : لا أريد . فمات وأخذ ماله . قال : وجاء رجل فحدثني بعجيبة ( قال ) مرضت حماتي فقالت لي . أريد أن تشتري لي خبيصا فاشتريت لها ، وكانت ملقاة في صفّة ونحن في صفة أخرى فجاءني ولدي الصغير وقال : يا سيدي ، انها تبلع الذهب . فقمت وإذا بها تجعل الدينار في شيء من الخبيص فتبلعه ، فأمسكت يدها وزجرتها عن هذا فقالت : أنا أخاف أن تتزوج على بنتي . فقلت : ما أفعل . فقالت : احلف لي فحلفت ، فأعطتني باقي الذهب ثم ماتت فدفنتها ، فلما كان بعد أشهر مات لنا طفل فحملناه إليها ، وأخذت معي خرقة خام وقلت للحفار اجمع لي عظام تلك العجوز في الخرقة ، فجئت بها إلى البيت وتركتها في اجّانة